الغزي

21

نهر الذهب في تاريخ حلب

مواضيع مختلفة - سوى عبارات التقريظ والإطراء وإسداء الشكر والثناء . واستنهاض همتي لطبع هذا الكتاب وتدوينه بكل سرعة ، حرصا على ثمالة « 1 » ما بقي من حياتي قبل نضوبها ، كيلا يؤول أمر مسودة هذا الكتاب إلى الإهمال والضياع . على أن لي الأمل الوطيد ، أن يتلقى عشاق التاريخ ، كتابي هذا برحب صدر ، ويقبل عليه نصراء العلم وأعوان أهله إقبالا يذكر فيشكر ، ولا سيما منهم أبناء الوطن العزيز . فهم أولى من جميع الناس بالإقبال عليه . لأنه يخدم وطنهم المحبوب الذي حبّه بلا ريب من أقدس واجباتهم . كما نوه بذلك الخبر المأثور « حب الوطن من الإيمان » ، وكما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ( لولا محبة الأوطان لخربت ) . وحكمة ذلك أن محبة الشيء تبعث على حفظه . وصيانته وجرّ النفع إليه ودفع الضرر عنه ، وهي مقاصد لا تكون إلا بعد معرفته والاطلاع على محاسنه ، إذ محبة المجهول غير معقولة ، بل قد يكون الجهل بالشيء مدعاة إلى بغضه وكراهيته ، على حد قول القائل : ( المرء عدوّ لما جهل ) . وإني لأعجب من طلاب العلوم العمرانية العصرية . من أهل بلادنا إذا سألت أحدهم عن شأن من شؤون الممالك الغربية أجابك عن سؤالك بما يبلّ الغليل ويشفي العليل . وإذا سألته عن أقل شأن من شؤون وطنه أجابك عن سؤالك بالسكوت أو بقوله : لا علم لي بما تسألني عنه . ومعلوم أن الواجب على ساكن الدار أن يعلم أولا حقيقة داره وما اشتملت عليه من المحاسن والمساوي ، ليعدّ لكل معنى عدّته . ويأخذ لكل شأن من شؤونها أهبته . ثم يتوسع بالعلم فيعلم حقيقة دار جاره ، وما حوته من المحاسن والمساوي ، استعدادا لطارىء يحوجه إلى أن يكون بها عالما وبشؤونها عارفا . كنت شرعت بتأليف هذا الكتاب على صفة مفصلة مطولة ، فجاءت مقدمته فقط في مجلد ضخم يستوعب نحو ألف صحيفة . فرأيت أنني إذا سرت بتأليفه على ذلك المنهج جاءت جملة الكتاب في نحو خمسة مجلدات ضخمة ، مما يفضي إلى ملل القارئ . فعمدت إلى الاختصار ونحوت في تأليفه هذا المنحى وسميته « نهر الذهب في تاريخ حلب » ورتبته على مقدمة وأربعة أبواب : فالمقدمة في الكلام على عدة أمور لا يتمكن القارئ دونها من الوقوف على ما انطوى

--> ( 1 ) الثمالة : البقية القليلة .